ابن إدريس الحلي

454

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي )

قد ظن قوم من المشبّهة أنّ قوله : * ( إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ ) * أنّهم يشاهدونه ، وهذا فاسد ، لأنّ المشاهدة لا تجوز إلا على الأجسام ، أو على ما هو حال في الأجسام ، وقد ثبت حدوث ذلك أجمع ، فلا يجوز أن يكون تعالى بصفة ما هو محدث ( 1 ) . وقد بينّا أنّ المراد بذلك وقوفهم على عذاب ربهم وثوابه ، وعلمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا ، دون أن يكون المراد به رؤيته تعالى ومشاهدته ، فبطل ما ظنوه ، وأيضاً فلا خلاف أنّ الكفار لا يرون الله ، والآية مختصّة بالكافرين ، فكيف يجوز أن يكون المراد بها الرؤية ، فلا بد للجمع من التأويل الّذي بينّاه ( 2 ) . فصل قوله تعالى : * ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ { 33 } ) * الآية : 33 . يحتمل الكلام والقراءة بالتشديد وجوهاً : أحدها : أنّهم لا يكذبونك بحجة يأتون بها ، أو برهان يدلّ على كذبك ، لأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا كان صادقاً ، فمحال أن يقوم على كذبه حجة ، ولم يرد أنّهم لا يكذبونه سفهاً وجهلاً به ( 3 ) . والثاني : أنّه أراد فإنّهم لا يكذّبونك بل يكذّبوني ، لأنّ من كذّب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقد كذّب الله ، لأنّ الله هو المصدّق له ، كما يقول القائل لصاحبه :

--> ( 1 ) - قارن 4 : 121 . ( 2 ) - نفس المصدر . ( 3 ) - قارن 4 : 128 .